
رائعة يوسف زيدان و الحاصلة على جائزة البوكر للرواية العربية هذا العام من إصدارات دار الشروق بالقاهرة جاءت فيما يقارب الثلاثمائة و سبعين صفحة ليبرهن فيها زيدان أن فن الرواية العربية و إن كان حديثاً قياساً بأقرانه فإنه في تمام العافية و الاكتمال و يملك الكثير ليقوله بعد .
سؤال لإجابة مخبوءة فينا …
الرواية تبدأ بمناورة جميلة من الكاتب يقول فيها أنها مستقاة من رقوق أثرية عُثر عليها بالتنقيب في خرائب تمتدّ في الطريق الواصل بين مدينتي حلب و أنطاكية مسجّلة باللغة الآرامية تعود للنصف الأول من القرن الخامس الميلادي و التي تمّت ترجمتها إلى العربية , و بهذا يرفع كفّه عن ما ورد فيها و يمنح قلمه مساحة جديدة للتعبير الحرّ بمنأى عن المحدودية التي يواجهها في مجابهة قضية ذات أصل ديني, الرقوق هي اعترافات يقصّها الراهب المصري " هيبا " و يسجّلها بغرض حفظها سرّاً مؤتمراً بأمر شيطانه " عزازيل " و الذي يتمثّل له بعد أن يستشعر " هيبا " أن دنس الخطايا التي انساق إليها صار يمسّ روحه فيلوّثها و يحجب عنه صوت الرب فيختلي بذاته لأربعين يوماً يقنعه فيها " عزازيل " الذي يكون في أقوى حالاته طغياناً و الذي ما عاد مجرد صوت يأتي من البعيد بأن الخلاص من الأهوال التي يعرفها و يكتمها و من الخطايا التي ارتكبها هو في أن يدوّنها في هذه الرقوق فهل كان " عزازيل " حقاً شيطان " هيبا " الذي يترصّد قلوب المؤمنين ؟ أم كان صوتاً نابعاً من التراب في جسده و من الإنسانية التي و إن غسلها الإيمان و الرهبنة لا تترفّع إلى مصاف الملائكة إلا و يجرّها بعضها الترابي إلى الخطايا من جديد ؟ و هل كانت قوته التي يدفع بها الراهب عن حافة اليأس و القنوط من رحمة الله و مغفرته قدرة جهنمية يتملّكها أم أنه صوت الآدمية التي لا تخبو فينا فتنأى عن الرب لتعود إليه ؟ سؤال جميل يطرحه الدكتور زيدان ليتسقّط موطأ قدم الخطايا منذ فجر الرواية .
صدام أول ….
يبدأ " هيبا " التدوين من منتصف الرحلة التي تبدأ بفراره بمغادرته صعيد مصر طلباً للعلم شمالا إلى الإسكندرية لدراسة اللاهوت و التي فرّ منها لاحقاً ليتيه لسنوات ثلاث في صحراء مصر الشرقية ينتظر أمر الله فيه حتى تستدركه البشارة و يزوره المسيح في رؤيا يوجهه فيها إلى مدينة الرب " أورشليم " حيث كان لقاؤه الأول بالأسقف نسطور و الذي سوف يلعب دوراً هاما في حياته فتتصل الأرواح و ينعقد حبل الودّ بين الرجلين فيفضي له بأسباب جلائه عن أرض مصر مسقط رأسه و يحدّثه عن الفظاعات التي ارتكبها اتباع المسيحية في طفولته نحو أهله من الوثنيين و مقتل والده الوحشي على مرأى منه و هو طفل لم يعدو التاسعة من العمر و هدم و إحراق معابد الآلهة الفرعونية على رؤوس كهنتها و متعبديها من النساء و الرجال و قد خلّفت هذه الواقعة شقاقاً بين " هيبا " و نفسه ففي الوقت الذي لم تمنعه فيه من اعتناق المسيحية و النظر إلى سماحة هذا الدين و دعواه إلى السلام و المؤاخاة بين البشر رافضاً إلصاق السلوكيات الهمجية و المذابح المرتكبة باسم الديانه و رافضاً أن يلّوث صورة الرب الرحيم بعنف لا مبرّر فقد اتّسعت من جهة أخرى الهوّة التي يركض نحو جوفها في متاهات عجزه … عجزه عن إنقاذ والده المستغيث … عجزه عن الشكوى و الانتقام … فكيف يجيب الدم بالدم و هو يؤمن أن الرب محبة ؟
فتكون هذه أول سهام زيدان التي رمى بها ليصيب في مقتل فالمعضلة أعمق و أكثر قدماً من الإسلام و الجهاديين و دعوى الإرهاب و إلصاق تهم بالدين لا تعدو سوى أن تكون خطايا لمرتكبيها من المتطرفين أفتكون المسيحية من يملك الحق بالتدمير للبشير ؟ أم أننا بحاجة لقلب كقلب " هيبا " لنبصر به البون الشاسع بين الدين و أتباعه ممن يسيئون ترجمة التعاليم ؟
شقاق و اشتقاق …
ثم لا يدخر الكاتب وقته قبل أن يستلّ من كنانته السهم الثاني و ما كان هذا بأقل حدة و لا صواباً من سابقه ففي إحدى حواريات " هيبا " الراهب يتكشف
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ